الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
91
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا من المقول اعتراض بين أجزاء المقول ، وهو مستأنف لأنه نتيجة لبطلان قولهم : إن مع اللّه آلهة ، بما نهضت به الحجة عليهم من قوله : إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ في سورة الأنعام [ 100 ] . والمراد بما يقولون ما يقولونه مما ذكر آنفا كقوله تعالى : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ . و عُلُوًّا مفعول مطلق عامله تَعالى . جيء به على غير قياس فعله للدلالة على أن التعالي هو الاتصاف بالعلو بحق لا بمجرد الادعاء كقول سعدة أم الكميت بن معروف : تعاليت فوق الحق عن آل فقعس * ولم تخش فيهم ردة اليوم أو غد وقوله سبحانه : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [ المؤمنون : 24 ] ، أي يدعي الفضل ولا فضل له . وهو منصوب على المفعولية المطلقة المبينة للنوع . والمراد بالكبير الكامل في نوعه . وأصل الكبير صفة مشبهة : الموصوف بالكبر . والكبر : ضخامة جسم الشيء في متناول الناس ، أي تعالى أكمل علو لا يشوبه شيء من جنس ما نسبوه إليه ، لأن المنافاة بين استحقاق ذاته وبين نسبة الشريك له والصاحبة والولد بلغت في قوة الظهور إلى حيث لا تحتاج إلى زيادة لأن وجوب الوجود والبقاء ينافي آثار الاحتياج والعجز . وقرأ الجمهور عَمَّا يَقُولُونَ بياء الغيبة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بتاء الخطاب - على أنه التفات ، أو هو من جملة المقول من قوله : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ [ الإسراء : 42 ] على هذه القراءة . [ 44 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 44 ] تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 ) جملة يسبح له إلخ . حال من الضمير في سُبْحانَهُ أي نسبحه في حال أنه يسبح لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ إلخ ، أي يسبح له العوالم وما فيها وتنزيهه عن النقائص . واللام في قوله : لَهُ لام تعدية يُسَبِّحُ المضمن معنى يشهد بتنزيهه ، أو هي اللام المسماة لام التبيين كالتي في قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] وفي قولهم : حمدت اللّه لك .